كانت مقصودةً ومتعمّدةً الحدّةُ التي اتّسم بها موقف الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس من على منبر قصر بعبدا، كما صورة يدها الموجّهة نحو الكاميرا وفي إصبعها خاتم عليه نجمة داوود، لكأنّها أطلقت سهم السمّ في الصورة قبل توجّهها إلى عين التينة ولقائها رئيس مجلس النواب نبيه برّي يوم السبت، لو لم تكن موازين القوى قد تغيّرت، لربما كان لجأ برّي إلى إلغاء الموعد، لكنه يعلم حجم الضغط والاندفاع الأميركي الذي يكاد يصل إلى حدود “الوصاية”.
حتماً غلب على الزيارة طابع “مسرحيّ” أو سينمائي، وكأنّ الموفدة الأميركية تعتمد “السيميائية” في العمل السياسي، فتوصل مواقفها بالشكل، الرمزية وعلانية الموقف. وأن تقف في بعبدا لتقول “أميركا ملتزمة بالشراكة في هذا البلد”، وإنّ “لدينا رجالاً ذوي صدقية والتزام”، لهو مؤشّر إلى تثبيت العصر الأميركي في لبنان كما في المنطقة. وهذا العصر مختلف عن العصور السابقة، لا سيما عصر إدارة جو بايدن ومبعوثه آموس هوكستين الذي كان يجيد المسايرة والدبلوماسية.
بوضوح قالت الموفدة الأميركية إنّ أميركا ممتنّة لإسرائيل على هزيمة “الحزب”، مع تأكيد رفض مشاركته في الحكومة بأيّ شكل من الأشكال. أصبح الموقف العلني غير قابل للتأويل والتفسير، ولن يكون من السهل تجاوز هذا الحدّ أو الخطّ الأحمر الأميركي. وذلك سيفرض تحدّيات كثيرة على المسؤولين اللبنانيين، خصوصاً مع انطلاقة عهد جديد.
يعتبر الأميركيون أنّهم هم الذين وضعوا أسسه وخطّوا مساره، ويجب على اللبنانيين عدم الحياد عن هذا المسار. لربّما لجأت الموفدة الأميركية إلى تظهير الموقف بهذا الوضوح العلني بعدما تلمّس الأميركيون محاولات لبنانية للمناورة أو للتهرّب من مواجهة الاستحقاقات المفروضة خارجياً، ولذلك جاء الموقف حاسماً واضحاً غير قابل لأيّ لبس أو تأويل.
مسار تقويض “الحزب”
بمعنى أوضح، ما يُراد دولياً وإقليمياً لهذا العهد وهذه الحكومة أن يفتحا مسار تقويض نفوذ “الحزب” سياسياً، وهو ما يعني الترجمة السياسية للهزيمة العسكرية التي مُني بها وفق تعبير أورتاغوس، ويستدعي ضغطاً دولياً وإقليمياً، سياسياً، واقتصادياً، وماليّاً وفي ملفّ إعادة الإعمار.
كأنّ هناك من يريد تخيير الطائفة الشيعية بين إعادة الإعمار مقابل استبعاد “الحزب” سياسياً وإضعافه، وبين البقاء في حالة الولاء المطلق له مقابل الحرمان من إعادة الإعمار. وهو ما سيضع “الحزب” أمام تحدّيات كبيرة، خصوصاً أنّه يتعاطى السياسة من منطلق “وجودي”. فمسألة مشاركة “الحزب” في الحكومات لم تكن بحثاً عن حصّة كما هو حال غالبية القوى السياسية أو الأحزاب اللبنانية، إنّما هي السعي إلى المشاركة في السلطة لحماية وجوده السياسي ومشروعه وسلاحه، ولا يستخدم السلاح لتعزيز حصّته أو مكاسبه. لذا سينظر “الحزب” إلى مشروعه المهدَّد، وسيكون قابلاً للاستشراس أكثر عندما يحين الظرف.
تراجع جديد يُجبر عليه الحزب بالموافقة على تشكيل حكومة لا يمتلك فيها ثلثاً معطلاً ولا ورقة الميثاقية إذ تنازل عن تسمية الوزير الشيعي الخامس لصالح رئيسا الجمهورية والحكومة. كل ذلك من مآثر زيارة الموفدة الأميركية، التي سعى رئيس الحكومة إلى إقناعها بمعاييره لتشكيل الحكومة وهي أن الوزراء فيها لا ينتمون تنظيمياً للحزب، وأن الحزب لن يكون قادراً على تعطيلها. وافق برّي على ما كان قد رفضه قبل وصول الموفدة الأميركية إلى بيروت بيوم واحد. إذ بقي إلى جانب الحزب متمسكاً بتسمية الوزير الشيعي الخامس، الأمر الذي رفض سلام التسليم به، علماً أنّه كان قد قدّم التنازلات المطلوبة من خلال منح وزارة المال لياسين جابر، وهو ما لم يتعاطَ معه الثنائي بإيجابية، بل فاوض وفق الطريقة القديمة، أي عمل على تحصيل ما يريد، وبعدها أراد أن يفاوض على المزيد. وهو الأسلوب الذي لم ينجح مع سلام، الرافض لمبدأ الثلث المعطّل أو لاستخدام ورقة الميثاقية من قبل الثنائي الشيعي لتعطيل مسار عمل الحكومة وقراراتها. حاول الثنائي ممارسة أسلوبه القديم، لكنه فوجئ بالنتيجة وفق المعايير الجديدة التي بدأت بالظهور مع انتخاب جوزاف عون والتخريجة الإعلامية التي سعى إليها خلال ساعتين بين الدورة الأولى والثانية.
أربع محطّات أساسيّة
يمكن اعتبار زيارة الموفدة الأميركية للبنان أنّها تفتح مساراً لتغيير موازين القوى، وهو ما يجعل انطلاقة العهد أمام أربع محطّات أساسية:
- زيارة أورتاغوس مع ما تعنيه من تشدّد يستدعي مراقبة ردّة الفعل الداخلية وآليّة تعاطي القوى المختلفة. فالتصعيد الأميركي، أرسى بعض الملامح لما سيكون عليه لبنان في المرحلة المقبلة، ما سيزيد من منسوب التحديات أمام الحزب، وقد تتحول الحكومة إلى حلبة صراع بينه وبين الآخرين، أو يكون الصراع بين الحكومة و”الموتوسيكلات”.
– 14 شباط موعد ذكرى إحياء اغتيال الرئيس رفيق الحريري وعودة سعد الحريري وتنظيم “تيار المستقبل” لمهرجان شعبي حاشد لإثبات فعّاليّته، وهو ما يُراد منه أن يشكل تحدّياً أمام الحكومة الجديدة ورئيسها الذي تسلّح بالطائف وحرص على استعادة الصلاحيات.
– 18 شباط موعد انسحاب الإسرائيليين من الجنوب، وهو موعد ليس ثابتاً ويمكن للإسرائيليين أن يصرّوا على البقاء في نقاط عديدة ويستمرّوا في تنفيذ العمليات والضربات لمواصلة استهداف “الحزب” وإضعافه، وهو ما سيضع الحكومة والعهد أمام محطّات محفوفة بالمخاطر.
محطّة تشييع الأمين العامّ لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله، التي يريدها “الحزب” أن تكون منطلقاً جديداً لتثبيت قوّته الشعبية وأنّه لم يضعف ولم ينتهِ، ستحمل المحطّة مؤشّرات يريد “الحزب” تمريرها لابتعاث جديد بأنه قادر على تغيير الوقائع وجاهز لخوض الانتخابات المقبلة لعدم تكريس موازين قوى ليست في صالحه.
خالد البوّاب - اساس ميديا