بين الإنتهازيّة المُطلقة والعظمة المُطلقة

بين الإنتهازيّة المُطلقة والعظمة المُطلقة

النقيب السابق لمحامي الشمال، الوزير السابق رشيد درباس

عندما زرت النقيب الصديق ملحم خلف للتهنئة أبلغني قبل رد السلام أنني سأكون على رأس فريق المحامين الذين سيواكبون قضية شهيد الثوار علاء أبو فخر، فتذكرت مشهداً بعيداً حين أعلن النقيب أنطوان قليموس للإعلام أنني سأكون على رأس فريق من النقابتين للدفاع عن فنان الثوار مرسيل خليفة، وذلك من غير أن يستشيرني.رأيت في المبادرتين تكريماً وثقة أرجو أن أكون حيالهما عند حسن الظن.

بعد يومين ترأس النقيب خلف اجتماعاً ضمني إلى الزملاء وأرملة الشهيد السيدة لارا، وشقيقه، فكان لقاء مؤثراً جداً، لمست منه تماسك هذه العائلة الشجاعة وتصميمها على متابعة مسيرة قائد الثورة الذي يرسم خريطة طريقها من علياه.

ولقد تمنّت عليّ العائلة الكريمة أن أتولى شرح القضية للإعلام، فكان أن اتصل بي معد برنامج "صار الوقت" فيليب أبو زيد، وحدّد لي يوم الخميس قبل الماضي موعداً، كما زوّدني بالواتساب بالاسئلة التي ستطرح علي، ومنها ظروف الاستشهاد، وردّ فعل العائلة والمنطقة، وأحوال طرابلس التي نفضت عنها ثوباً ظالماً كاذباً، فسررتُ للأمر خاصة أنها ستكون فرصة لتبيان موقف آل أبو فخر تجاه الجيش اللبناني حيث أكد شقيق الشهيد أن عائلتهم ذات تاريخ طويل بتأييد جيش الوطن.

هي المرة الأولى التي أذهب فيها إلى البرنامج، ولكنني معتاد على صاحبه الزميل السابق مرسيل غانم، فهو ذو طبع مهيمن، يمارسه قبل الهواء فيصير الضيف، بعد هذا، طوع البنان والهواء.

هو محرج ولاذع، وجريء، وأنا لا حرج عندي لأنه كان يتعامل معي بمحبة وتقدير، كما أنني طوال حياتي لا أسلك الدروب التي تَفُح الأفاعي في حواشيها، ولا أعرض نفسي للوقوع فيما هو مخجل.

ولكنني أعترف لكم هذه المرّة، وأنا المحامي القديم المتمرس المعتاد على المرافعات والمجابهات، أنني أصبت بوجل ما أن تخطت قدمي عتبة الاستوديو، إذ سمعت صوتاً غاضباً ينفخ في المذياع ويأمر الناس بالجلوس والصمت وعدم الحركة وعدم المغادرة، فتذكرت أيام المدرسة التي أكرهها جداً، وخشيت للحظة أن أكون معنياً بهذا التأديب الفج، وقد خلت أولاً أن الناظر الصارم هو مرسيل ذاته، ولكنني اكتشفت عند الدخول أن مدير المسرح، ينتهر الشبان الجالسين كأنهم أنفار مقاولة، فيما يفترض أنهم من شباب الرأي، أضيفوا إلى البرنامج ليضفوا عليه حيوية إضافية.

ولمّا جلست بين الوزير السابق الهادىء فادي عبود والعميد المتقاعد أمين حطيط والإعلامية رئيسة حزب سبعة غادة عيد شعرت أنني على ظهر خشبة تترجرج فوق ماء يفور، فلما طرح علي مرسيل سؤاله حول حركة الشعب اللبناني، أدليت بجواب كان نواة مقالي يوم الثلاثاء الماضي في جريدة "النهار"، ولما سألني ممازحاً إن كنت أرغب أن أكون رئيساً للوزراء أجبته إن رئيس الوزراء القادم أشبه بطبيب الولادة، فهو إما سيكتب شهادة ميلاد لدولة جديدة أو سيكتب شهادة وفاة، وأضفت بأني لست مؤهلاً لهذا أو لتلك. بعدها تمنّيت لو قام مرسيل بإطلاق سراحي إذ شعرت أنه لن يكون لي أي دور في الحلقة بعد أن تحول الحوار إلى صياح فاتهام بالعمالة، فازدراء متبادل، فتصفيق متبادل، فأحسست بالدوار السياسي، وأخذني الحنين إلى برنامج "كلام الناس" حيث تبقى المناقرة والمداورة بين الضيف والمضيف بعيداً عن السجال العنيف.

ما أملى علي أن أخصص هذه المقالة لبرنامج "صار الوقت" ما جرى في الحلقة الماضية حيث نُصب المتراس بين التيار الحر ممثلاً بالمحامية مي خريش وتيار المستقبل ممثلاً بالنائب هادي حبيش، فيما يقف على خط التماس محامي الثورة، واصف الحركة، معلناً بالتصريح أو بالإيماء أو بالامتعاض، أنّ أهل الحكم لم يتّعظوا إطلاقاً من غليان الشعب اللبناني، وأنهم ما زالوا على حالهم في تبادل التُّهم، حيال هذا أجد نفسي مضطراً للدخول على ذلك السجال من خلال هذه المقالة لأقول إنّ صوف الحملان الوديعة بات مجزوزاً، وما تبقى منه أقرب إلى جلد الذئاب. لقد استغربت جداً كيف أن السيدة مي تتّهم الحريرية في قبر مؤسسها بأنها أصل الكارثة، فيما لم يكن بالامكان عن الاطلاق أن يصل الرئيس الى سدة الرئاسة لولا توافق معراب والوسط على ذلك الحل الذي لم يكن وسطاً على الإطلاق. كنت سأكنَّ لها جزيل الاحترام لو أقرت أن الوصول كان بالألاعيب السياسة أو الانتهازية لأن نابوليون قال: 

" الوصول إلى السلطة يحتاج إلى الانتهازية ، 

" ولكن ممارستها تحتاج إلى العظمة المطلقة"

وفي واقع الأمر، إن شركاء الأمر كلّهم - يعني كلّهم - قد مارسوا الانتهازية المطلقة، ولم يمارسوا أي شيء من العظمة المطلقة.