إنتصار للبنان... خيبة لإسرائيل

إنتصار للبنان... خيبة لإسرائيل

اللواء عباس ابراهيم- افتتاحية مجلة الأمن العام- عدد ٧٣ / تشرين الأول ٢٠١٩

خيبة جديدة اضيفت الى سجل اسرائيل بعدما صوتت الجمعية العمومية للامم المتحدة باكثرية 165 صوتا تأييدا للمبادرة التي اطلقها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بإنشاء "اكاديميا الانسان للتلاقي والحوار"، ليحقق لبنان انتصارا جديدا لدوره كدولة للحرية والتعددية الثقافية والحضارية. وكان التأييد الدولي تأكيدا لرؤية رئيس الجمهورية عن دور لبنان، كما انه تجاوز الثابت السياسي في هوية لبنان العربي لينتقل الى دور لبنان الحضاري في العالم ومعه، وليكون بحق "رسالة" اكثر منه وطنا على ما قال البابا يوحنا بولس الثاني: "لبنان اكثر من بلد، انه رسالة حرية ومثال على التعددية للشرق والغرب".
بهذا المعنى، كان التصويت لصالح لبنان انحيازا اليه وتأييدا لرؤية الرئيس ميشال عون، اذ اعربت الجمعية العمومية في قرارها عن تقديرها لما يبذله الرئيس اللبناني من جهود لتعزيز دور لبنان باعتباره مركزا للحوار والتنوع. كما كان هذا التصويت على الضد من الحملة التي شنتها مندوبة الكيان الصهيوني على لبنان ورئيس جمهوريته مدعية انه لا يحترم "قيم التسامح والتعايش"، متناسية ان بلادها هي الدولة المحتلة الوحيدة في عصرنا، وان دستورها جاء خلوا من اي حدود وبما يتلاءم واوهام التوسع، وان الانتخابات البرلمانية، بما هي ارقى عملية ديموقراطية، تُخاض عندهم على شعارات الكراهية وتهديدات الحروب وضم الاراضي سواء لجهة اراضي غور الاردن ام لجهة الجولان السوري، ناهيك بتاريخ العار الذي يلازمها منذ قيامها على الاراضي الفلسطينية المحتلة، وآلاف المجازر المستمرة وانتهاك المسجد الاقصى وكنيسة القيامة، وحرمان الشعب الفلسطيني من ابسط حقوقه في قيام دولته وحقّيْ العودة وتقرير المصير.
اللافت في الرد على المزاعم الاسرائيلية، كان في ما عبر عنه مندوب فنلندا باسم الاتحاد الأوروبي والدول الاعضاء فيه، اذ شكر للبنان اقتراحه مشروع القرار، مثمنا ما سماه الجهود الدائمة للبنان بالنهوض بالحوار والتسامح. وما تحقق في هذا الاطار يجب البناء عليه داخليا وعالميا لبناء ثقافة التسامح والتعايش والتفاعل الحضاري في مواجهة خطابات الكراهية التي تتصاعد بين حين وآخر في الداخل، ناهيك بما يحصل حول العالم. هذه المحطة، على وجه الدقة، تستدعي الوقوف مليا ومجددا امام ما قاله سماحة الامام المغيب السيد موسى الصدر عن ان "سلام لبنان افضل وجوه الحرب مع اسرائيل".
ان السلم اللبناني مسؤولية جماعية ملقاة على عاتق كل اللبنانيين. واذا كان صحيحا ان السلم الاهلي ما زال يهتز احيانا تحت وطأة المشاحنات، فإن الاصح هو التمسك بالحوار سبيلا وحيدا واوحد الى حل الالتباسات والاشكاليات على انواعها. لقد خبرنا صنوفا عدة من حروب الداخل، بعضه ضد بعض، ومن حروب الآخرين على ارضنا وعبرنا، وكلها تجارب افضت الى ثابتة وحيدة الا وهي ان لبنان لن يكون متى تخلى او تجاوز ثالوثه: الحرية، التعدد الحضاري، الديموقراطية.
في تاريخنا القريب والبعيد، استسهل كثيرون ـ ومن كل الجهات ـ ركوب مغامرات الحروب توهما لتحقيق انتصار من هنا او من هناك. لكن النهاية كانت دائما في الاحتكام الى منطق الحوار كآلية وحيدة لتحقيق السلم الاهلي، والانطلاق نحو العالم بالمعنى الحضاري لما يمثله لبنان من تنوع وحتى فرادة في تفاعل المكونات الثقافية والروحية اللبنانية.
آن الآوان لنتعلم، لمرة واحدة واخيرة، ان مبادرة الرئيس ميشال عون تعبّر عن ارادة لبنانية متنوعة في اطار وحدة لبنان الحاضن للجميع.