حصاةٌ في بركة راكدة

حصاةٌ في بركة راكدة

النقيب السابق لمحامي الشمال الوزير السابق رشيد درباس

بعد دقات ناقوس* الأحد الماضي ببرهة، رن جرس هاتفي الخلويّ، فتزاحم على شاشته رقمان عائدان لكلّ من الدكتور اميل يعقوب والرئيس شبيب مقلّد، رئيس محكمة التمييز ورئيس معهد الدروس القضائية سابقاً، والمثقف واللغوي والقانوني الكبير حالياً ولاحقاً..

قال لي الرئيس شبيب: أثلجْتَ صدري بابتعادِكَ هذه المرَّةَ عن السياسة، وأخذِكَ بأسماعِ المتابعين إلى ما هو أرقى، إذ قاربتَ مسألة الإيمانِ بطريقة طليَّة. ولما سألتُه عمّا إذا كان لسيبويه مآخِذُ على النص أو على تلاوته، أجابني ضاحكاً: مأْخَذٌ واحد. قولُكَ: "من ثُمَّ"، والصوابُ "من ثَمَّ"، فالأول بضمِّ الثّاءِ حرف عطف لا يجرُّ، والثاني بفتْحِها ظرف. فلما راجعت التسجيل تأكد لي خطئي، فعذراً منكم وشكراً للرئيس.

أعود إلى السياسة مرغماً بعد أن علِقْتُ في شرك افتتاحيتي الشهرية في جريدة "النهار" الثلاثاء الماضي بعنوان "الراعي والوزير" حيث نقلت عن التسعيني الشاب حسن الرفاعي أنه، في أولى جلسات مجلس الوزراء بعد تعيينِه في حكومة الرئيس صائب سلام وزيراً للتصميم العام، قال لزملائه: علينا أن نرتقي بأدائنا الحكومي إلى مستوى آخِرِ راعٍ في جرود الهرمل. هذا... يتنقَّلُ بقطيعه بين الجبال والسهول بحثاً عن مرعًى طيِّبٍ وغديرٍ عَذْبٍ، ويذودُ الذئابَ عن أغنامِه كما يقيها من التيه... وفوق ذلك يشنّف الآذان بالعزف على منجيرته الشجية؛ وذكرتُ كيفَ أُعْجِبَ رئيسُ الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية بذلك التوصيف ووافقَ الرفاعيَّ على رأيه، وأضفت استشهاده بقولِ العالم الفرنسي léon duguit: "ليس للقانون الدستوري ضابطٌ سوى حسن نية الرجال الذي يطبقونه ولا سيما رئيس الجمهورية"، ثمَّ ختمتُ بمقولتِه لي: "إن الديمقراطية أعلى مستوى من السياسة". والحقيقةُ أنَّ مدارَ كلامي في ذلك المقال كانَ حول التفاؤل الواقعي الذي لا بدَّ للبنانيين أن يتحلَّوا به، على الرغم من رثاثة الأداء السياسي، لأن الشعوبَ في آخر المطاف لن تسمح لوكلاء التفليسة ببيع ممتلكاتها في سوق النخاسة، وستقف في وجه بَعْثَرة الدولة في بورصة الرهانات العقيمة.

كلامي هذا كان موضعَ انتقاد معالي الصديق نقولا نحاس والأخ العزيز شارل عربيد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي، اللذّيْنِ صنفاني في خانة الحالمين. وكنتُ التقيتُهما في عشاءٍ بضيافةِ سعادة النائب زياد حواط، انضمَّ إليه الدكتور سمير جعجع الذي وصفني بالمستقل في مرحلة تستلزمُ انخراط أوسع القطاعات في العمل الحزبي، لأنه برأيه معيار حيوية المجتمعات والفعاليةِ السياسية. وذهب في خطابه إلى أبعدَ، عندما رمى المستقلين –وأنا منهم- بتهمة ازدراء الحزبيين؛ فأجبته بأني أكن للحزبيين الاحترامَ كلَّه، وأحتفظ لنفسي باستقلاليتي وحرية تفكيري، وتابَعْت: أمّا القضايا الوطنية فلست البتَّةَ فيها محايداً، وأما التجاذب الحزبي، فقد كابدْتُه في أول الشباب ثم أقلعْتُ عنه أو أقلع عني.

معلمنا حسن الرفاعي هاتفني وقال بتواضعه الجم:" لقد أصبتني بالغرور" أما الياس الديري فجعلنا معًا نتصبب حياءً لرقة تعليقه على متن المقال وسنده.

أخي الحبيب جان عبيد قال لي: عليك أن تضيف: الأخلاقُ أعلى مستوى من السياسة والديمقراطية، بدليل ما خاطب به ربُّ العالمين نبيَّه: "وإنك لعلى خلق عظيم".

أستاذي عمر مسقاوي علَّقَ قائلاً: كلامُك يدعو إلى الصبر، فماذا بعد الصبر وقد قال الله: اصبروا وصابروا ورابطوا؟

سجعان قزي لفتني إلى أن التفاؤل الواقعي الذي أدّعيه هو تفاؤل وطني واجب الوجود؛ سمير عطالله مازحني وحكى لي أن الرئيس فرنجية طلب إليه اختيار خمسة مجلّين من رؤساء تحرير الصحف ليكوِّنوا مجلس استشارة وحوار معه، فضحك وقال له: يا فخامةَ الرئيس إنك تشتري لنفسك عشرة أعداء: خمسةً أغفَلْتَ دعوتهم وخمسةً دعوتَهم لا يُضمرُ أحدُهم للآخَرِ محبةً، وأردف: لماذا تورطت بذكر بعض كبار الكتاب، فعرَّضت نفسك لنقمة الباقين؟

حتى كتابة هذا الناقوس* لم تكفَّ التعليقات سلباً أو إيجاباً، لكنني مسرور بحصاة ألقيتها في بركة ركدت، فحركت أمواجاً قد تكون سنداً صحيحاً لتفاؤل واقعي وطني واجب الوجود..

وبعد، أظن بأن الرئيس شبيب مقلّد سيسامحني على عودتي إلى السياسة، وإنْ لم أُثْلِجِ اليومَ له صَدْرًا. على أنَّ هاتفي مُنْتَظِرٌ رقمَهُ ليُسِرَّ إليَّ بنبَراتِ وُدِّهِ مآخذَ سيبويهِ الجديدةَ عليّ.

*هذه المقالة هي نَصّ فقرة أسبوعية بعنوان "ناقوس في أحد" يكتبها الوزير درباس"ويقرؤها بصوته صباح كل أحد حوالى الساعة الثامنة الا ربعًا عبر إذاعة صوت لبنان.